.....

الثلاثاء، 8 يناير 2013

من قديم دفاتري




كان ذلك سنة 1406هـ !
قبل قرابةِ ثلاثين عاماً ..

دخلتُ من بوابةِ المسجدِ خجلانَ متردداً .. أنظرُ إلى أولئك الذين تحلَّقوا يقرؤون
كتاب الله!
كنتُ في الصف السادس الابتدائيّ وقتَها.
وكأيِّ (طفلٍ) في هذه السنِّ كنتُ أتهيَّبُ الإقدامَ على عوالم جديدةٍ، وبيئاتٍ لم آلفْها من قبل.
استقبلني بوجهِهِ البشوشِ، زارعاً في فؤاديَ الغضِّ حالةً من الارتياح لم أملكْ لها تفسيرا!
أهي ابتسامته؟ أم حفاوتُهُ؟ أم روحُهُ؟ أم سرٌّ يقذفه الله في قلب من شاء من عباده؟!
لستُ أدري!
ما أعرفُهُ أن هذا الرجل استطاع بلا مقدِّماتٍ أن يجعل تلك البيئة الجديدةَ عليّ مألوفةً تماماً! وحبيبةً جداً! وقريبةً إلى قلبي!

على يدَيْ هذا الرجلِ حفظتُ كتاب الله ..
وعلى يديهِ أحببتُ القراءة وتعلقتُ بالكتبِ ..
وعلى يديه عرفتُ الاعتدال والوسطية وحسن الظنِّ بالآخرين والعدل في الغضب والرضا ..
كان حيياً .. بديعَ الأخلاق .. عذبَ السجايا .. توجيههُ نظرةٌ، وتربيتُهُ كلمةٌ، وعتابه إيماءة.

تعلمتُ منه صغيراً ومازلتُ أتعلّم .. وسأبقى ما امتدَّتْ بي وبه الحياةُ .
إنه أستاذي الأول وأخي : الأستاذ عبدالله بن سعيد الزهراني، مشرفُ الفيزياء في

إدارة تعليم جدة .

وهذه القصيدةُ قديمةُ العهدِ، عمرها أزيدُ من عشر سنواتٍ، وجدتُها فجأةً في ركامِ 

الأوراق، قيلتْ في حفل وداعٍ له حينَ قرّرت وزارة التربية والتعليم إيفاده إلى 

اليمنِ للتدريس مدة أربع سنواتٍ.
أرويها كما هي .. بعواطفها ومشاعرها .. باعتدالها وغلوِّها .. بإساءتها

وإحسانها .. بقوّتها وضعفها!

وفاءً .. وحُسنَ ذكرٍ .. لمن كان له في حياتي أثرٌ كبيرٌ .

الذكرياتُ بقلبي اللحنُ والوترُ

وأنتَ ياسيدي موَّالُها العطِرُ

وأنتَ من روحُهُ الجذلى تطوف على

صحراءِ روحي فيهمي عندها المطرُ

مازلتُ أذكرُ أيام الصبا طرباً

وفي فؤاديَ من حُبِّيكَ مُدَّخرُ

أيامَ جئتُ غريراً لا قرار له

يلوي بي الدربُ، أو يكبو بيَ العَثَرُ

فكنتَ أنتَ الذي أرشدتَ مجتهداً

حتى استقام الفتى واستحصدَ الثمرُ

واليومَ ياسيدي كل الحروف أتتْ

إليك عن بالغِ التقصيرِ تعتذرُ

قد أدركتْ أن في مدحيكَ مصرعَها

وأنّها بقبولِ (الدَّوْرِ) تنتحرُ

أبا معاذٍ أتينا والقلوبُ على

نارٍ من الحبِّ والأشواقِ تستعرُ

يحدو بها نحو روض السعدِ رؤيتُكم

ودونَها من قرارِ (البُعْدِ) مُزْدجرُ

فكيف نصنعُ؟ لاحزنٌ ولا فرحٌ؟
!
نوعٌ من الوجدِ لم ينطقْ به خبرُ!

أبا معاذٍ أتى الأحبابُ يحملُهم

وفاؤهم، وشذى شوقٍ به انهمروا

جاؤوك تختلفُ الأجيالُ بينهمُ

لكنْ يوحدهم حبٌّ به انصهروا

من شَامَ نبعك، أو من شامَ شائمَهُ

كلٌّ إليك انتهوا، كلٌّ بك ازدهروا

ماذا أحدثُ عنكم سيّدي ولكم

من المآثرِ ما استحيتْ له الدررُ

عن الخلائق كالأزهارِ عابقةً

أم عن شجاعةِ نفسٍ زانها الخَفَرُ

أم عن عطاءٍ ظللتَ الدهر تبذلُهُ

أم عفةٍ في اللسانِ الطُّهْرِ تشتهرُ

حتى عتابُك عند الغيظ .. ليس سوى

تبسُّمٍ مغضبٍ ما شانه هَذَرُ!

ياسيدي بعضُ ما في القلب أنثرُهُ

وحبكم في حنايا النفس مستترُ

فاقبل بديع قصيدٍ ..لستُ قائله!

بل كل من في لقاء اليوم قد حضروا!!


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق