[ هذه مجموعة تغريدات نُشرتْ في تويتر ]
لستُ خبيراً باليابان وغاية معرفتي بها خمسة أيام قضيتها بين أوساكا وطوكيو مشاركا في برنامج ثقافي نظمته وزارة التعليم العالي وألقيت ورقة عن اللغة العربية في اليابان واقعاً وتاريخاً. وقد لاحظت من خلال الورقة ومن خلال بعض المشاهدات عدة أمور أحببت مشاركتها، وكان من العجيب بالنسبة لي وجود اهتمام ظاهر باللغة العربية في تلك البلاد البعيدة النائية، ولأسباب ليست دينية فحسب.
كان أول اتصال لليابان بالعالم الإسلامي عام 1871 حين أرسل الامبراطور ميجي مندوباً إلى السلطان عبدالحميد الذي قابل هذه المبادرة بإرسال باخرة فيها 600 شخص من العرب والأكراد والتركمان وغيرهم.
قبل (ميجي) عاشت اليابان 265 عاماً من العزلة التامة وإغلاق كل المنافذ ومنع السكان من التواصل مع العالم الخارجي، وكانت سياسة الدولة وقتها : ألا يدخل إلى اليابان أحدٌ، ولايخرج منها أحد!
بعد رجوع السفينة التركية غرقت في البحر سنة 1890 ومات معظم ركابها. وقام الصحفي الياباني (أوساتا رونودا) بقيادة حملة تبرعات للضحايا، ثم أوصلها للسلطان عبدالحميد واعتنق الإسلام هناك ليكون أول مسلم ياباني حسب المعلومات المتوفرة.
هذه (الكارثة) -أعني غرق السفينة وماتلاه من أحداث- هي بداية وصول الإسلام وبالتالي العربية إلى اليابان. وقد سجلت الوثائق أن أول حاج ياباني هو (ياموكا كوتارو) الذي حجّ سنة 1909 و كان كوتارو ضابطاً في الجيش الياباني مكلفاً بجمع المعلومات ثم انتهى به الأمر للإسلام، وقد وثق رحلة حجه كتابيا.
هناك بوابات أخرى دخل منها الإسلام إلى اليابان، منها احتكاك الجيوش اليابانية بالمجتمع الإسلامي في شمال الصين عندما احتلتها اليابان، وكذلك التركستانيون وغيرهم ممن هاجر لليابان بعد الثورة الروسية فرارا من اضطهاد الشيوعيين.
بدأ تعليم العربية في اليابان مبكرا سنة 1925 في مدرسة أوساكا للغات الأجنبية، وقد تحولت تلك المدرسة بعد ذلك إلى جامعةٍ تحمل اسم : (جامعة أوساكا)، وتأسس فيها قسمٌ للغة العربية سنة 1940 ومازالت هذه الجامعة تحتفظ بالريادة في تعليم العربية رغم مشاركة مؤسسات أخرى لها في هذا الدور.
من المدهش حقا أن تتأمل في حجم (الحركة العلمية العربية) لدى اليابانيين فرغم الانقطاع الطويل والبعد إلا أن اليابان عرفت كوكبة من الباحثين اليابانيين المتخصصين في أدق علوم العربية! وسأضرب على ذلك امثلة.
(إيجيرو ناكانو) حين تقرأ رحلته إلى الجزيرة تتعجب من معرفته بالمعلقات وخبر امرئ القيس وماقاله الشعراء عن نجد واجتهاده في مطابقة ماقالوه على مارآه، درس ناكانو في الأزهر، وجامعة فؤاد الأول، وممن درّسه طه حسين. ويُظن أنه أسلم سراً .
(أوسامو إيكيدا): ترجم القرآن لليابانية، وترجم أعمال طه حسين، ونجيب محفوظ. درَس في جامعة القاهرة ودرّس في عدة جامعات يابانية وقد اختير (ايكيدا) عضواً مراسلا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة وهو أول ياباني يحظى بمنصب لغوي رفيع كهذا. قابلتُ (ايكيدا) في أوساكا وكان ممن علق على ندوتنا، ويبدو أنه اطلع على سيرتي الذاتية وعرف أني حققت شرح المرزوقي على المفضليات، فبادرني بسؤال عقب الندوة حاصلُهُ عن رؤيتي للفرق بين شرحي: الأنباري والمرزوقي على المفضليات ولاسيما في البعد التاريخي، وفي القدرة على الكشف عن المعنى ومن الطبيعي أنني دُهشتُ من اطلاعه على مخطوط يتيم لشرح لم يُطبع من قبلُ قط!!
(إيموري كاسوكيه) من تآليفه: معجم المفردات الأساسية، مبادئ المحادثة العربية، الكلمات الأساسية للغة العربية.
(جيرو أريمي) تخرج من كلية الشريعة بجامعة أم القرى عام 1979، ودرس في جامعة الإمام.
(يوشدا سجنجي) شيخ الخط العربي في اليابان! خطاط بارعٌ، ألف كتابه : أنماط الخط العربي حلل فيه 300 لوحة .
(هوندا كي اوتشي): خطاط آخر، عرف الخط العربي في المملكة العربية السعودية أثناء عمله فيها، ثم درسه بشكل شخصي، ثم سافر إلى تركيا ليحصل على إجازة في إجادة فن الخط.
وقد عرضت لوحات (هوندا) في قاعة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية سنة 2003. وعلى ذكر الخط رأيت بنفسي عجوزاً يابانية تكتب الخط العربي بـأعواد القصب والحبر على وجه متقنٍ جداً، وكانت تأخذ أسماء الزائرين وتخطها لهم.
(نوبوآكي نوتوهارا) صاحب الكتاب الشهير (العرب وجهة نظر يابانية). أمضى هذا الرجل 40 سنة من عمره يسافر إلى المدن العربية والأرياف ويتابع الحركة الفكرية والأدبية في العالم العربي. ويدل كتابه علىم عرفة عميقة غير اعتيادية بالعالم العربي.
تحدث نوتوهارا في كتابه عن نجيب محفوظ وغسان كنفاني وعبدالرحمن الشرقاوي ويوسف إدريس وصنع الله إبراهيم ويحيى حقي وعبدالرحمن منيف وإبراهيم الكوني، ويتحدث عن ترجمة روايات عدد منهم.
هناك أسماء كثيرة لايسع المقام سردها. من جهة أخرى حين تنظر ما كتبه اليابانيون بالعربية وعنها فستلاحظ تنوعَ هذه الكتابات وخروجها في زمن مبكر نسبياً. ومن
أمثلة هذه الكتب: قواعداللغة العربية، مذكرات في جذور بعض الأفعال العربية، كان وأخواتها، سوف والسين في العربية، المرشد إلى النصوص والمعاجم، عبقرية الشعر العربي. وقد أعطتني أستاذة جامعية بحث ترقية لها أجرتْ فيه مقارنة فنية بين قصيدتي: امرئ القيس وعلقمة في وصف الخيل!
من الملاحظ أيضا أنك تجد لدى هؤلاء وعياً جيدا بالأخطاء الشائعة في تعليم العربية لغةً ثانية، وقد وجدتُ عدداً من الدراسات الجادة التي تقوّم تجربة تدريس العربية في اليابان من أهمها دراسة د.كادويا يوكي (واقع تدريس العربية بالجامعات اليابانية) وفيها ملاحظات سديدة.
على المستوى الرسمي أعادت الخارجية اليابانية تشكيل قسم التبادل الثقافي فلم تعد تضع الدول العربية في خانة واحدة بل جعلت لكل دولة عربية مهمة إدارة خاصة لتنشيط التبادل الثقافي معها، ومن أهم بوابات ذلك العناية بالعربية. بدأ ذلك منذ عام 2004.
يبث التلفزيون الحكومي (NHK) برامج متخصصة لتعليم اللغة العربية. وبإمكانك أن تجد مقاطع منها في اليوتيوب.
العامل الاقتصادي لعب دوراً في التفات اليابان للغة العربية، حتى قال ساوا إيزو: أصبحت العربية الابن المدلل في عالم الوظائف، ويشير نوتوهارا إلى أن البنوك والشركات والمؤسسات الانتاجية بدأت تننافس لاجتذاب الخريجين من قسم اللغة العربية
التقيتُ خلال الزيارة د.موسى محمد عمر سفير السودان الأسبق لدى اليابان، وأقدم العرب إقامة هناك حيث أقام منذ سنة 1970! وللدكتور موسى جهود رائعة في خدمة الدعوة تُوجت بافتتاح مسجد طوكيو، والمركز الإسلامي، والمدرسة المجاورة للمسجد. انظر صورة (6)
من الملاحظات التي قد تبدو عجيبة أنني وجدتُ اليابان أقل مما كنتُ أتخيلها !! ربما بسبب قصر الرحلة، أو بسبب الدعاية الضخمة لها! لاشك أن اليابان دولة عظيمة وذات شأن ولكن من حقي الحديث عن مجرد انطباعات قد لاتعني عند البعض شيئا!!
في أول صباح في أوساكا خرجت أتجول، وكنا في منطقة (راقية) فوجئت بـ (شربكة) تمديدات الكهرباء بطريقة لم أتوقعها أبدا!! انظر : (صورة1) . وقد تكرر منظر هذه الشربكة في عدة أماكن في أوساكا وطوكيو.
يقولون: إن أوساكا بالنسبة لطوكيو مجرد منطقة ريفية! لا أدري تماما لكنني زرت منطقة جِنْزا وهي إحدى أرقى مناطق طوكيو، وتُعتبر قلبها التجاريّ، ورغم أنها منطقة نظيفة وراقية وجميلة وفخمة إلا أنني لا أدري لماذا كنت أظن أنني سأرى أشياء أكثر إبهاراً!
الفرد الياباني (آلي) بطريقة قاتلة، لامكان للمشاعر والعواطف حتى بين الزوجين! ويقولون: إن الوفاء الزوجي حالة نادرة والله أعلم!
مما لم أفهمه حتى الآن كيفية اجتماع هذا الإبداع التقني الياباني مع حالة (الجمود الذهني) والآلية التي تلاحظها في الناس!
تشعر أحيانا أن (الياباني) يمشي بجدّ وصرامة على نمط معين، وأي تغيير في هذا النمط يُربكه تماما! كصف النمل إذا قطعت عليه مساره! وقد أخبرني مبتعث عن صديق أنه ذهب لمحل بيتزا وطلب (تشكيلا) معينا فرفض البائع، فقال له: ترى هذا الطلب؟ -وأشار إلى طلبٍ موجود في قائمة المطعم- قال نعم قال: أعطنيه بدون كذا فاستجاب! كأنه لم يتيسر له تلفيق الطلب كما ألقي له، بل لابد من نموذج سابق يطابقه أو يجري عليه التعديلات!!
ومرت بي شخصيا تجربة، فقد كنت أمشي مع صديقٍ مبتعثٍ ووجدنا محلا للشاورما طلب صديقي (ساندوتشين) أحدهما بالسلطة فقط، فوجئنا بإحدى الشطيرتين بلا (شاورما) سلطة فقط!!
محطة مترو (شنجكو) في طوكيو يتنقل عبرها كل يوم 3.5 مليون إنسان!! تشبه مجمعا تجاريا صغيرا، لايتعطل فيها قطار ولايتأخر! وعموماً فإن شبكة مترو طوكيو ضخمة جداً ومتشابكة ومنتظمة. انظر: (صورة2)
( أودايبا ) ضاحية من ضواحي طوكيو، يسمونها مدينة العشاق، منطقة شاطئية رائقة جداً، مناخاً وتصميما وخدمات، تصلح للاسترخاء والسكينة والتأمل .. وللحب أيضا! فيها محطتا مترو. انظر في: (صورة4) محطة مترو أودايبا
رصيد اليابانيين من الاحترام والذوق أكبر من رصيدهم من الصداقة والحب يعاملونك باحترام ورقي لكنهم ليسوا اجتماعيين كثيرا.ومسألة جمع اليابانيين بين المحافظة على الهوية والتحديث مسألة تحتاج إلى تدقيق، فالنمط الغربي طاغٍ هناك وجيل الشباب مفتون بأمريكا فمن المستغرب تجاوز اليابانيين لعقدة أمريكا، لم تعد أمريكا ذلك العدوالذي ألقى قنبلة نووية ذات يوم! ولنوتوهارا نص من الضروري أن يقرأ. انظر: (صورة5).
يقول نوتوهارو في هذا النصّ: "كثيراً ماواجهتُ هذا السؤال في البلدان العربية: لقد ضربتكم الولايات المتحدة الأمريكية بالقنابل الذرية، فلماذا تتعاملون معها؟ العرب عموما ينتظرون من اليابانيين عداء عميقا للولايات المتحدة الأمريكية لأنها دمرت المدن اليابانية كافة. ولكن طرح المسألة على هذا النحو لا يؤدي إلى شيء! علينا نحن اليابانيين أن نعي أخطاءنا في الحرب العالمية الثانية أولاً، ثم أن نصحح هذه الأخطاء لأننا استعمرنا شعوبا آسيوية كثيرة. ثانيا وأخيرا علينا أن نتخلص من الأسباب التي أدت إلى القمع في اليابان وخارجها. إذن المشكلة ليست في أن نكره أمريكا أم لا. المشكلة في أن نعرف دورنا بصورة صحيحة ثم أن نمارس نقدا ذاتيا بلا مجاملة لأنفسنا بعدئذ نختار الطريق الذي يصحح الانحراف ويمنع تكراره في المستقبل. أما المشاعر وحدها فإنها مسألة شخصية محدودة لا تصنع مستقبلاً. من هذا الموقع نفهم مأساسة هيروشيما وناغاساكي ونفهم علاقتنا مع العالم. نحن اليابانيين نفهم إلقاء القنبلة الذرية على مدننا مقترنا بأخطائنا التي ارتكبناها في الحرب العالمية الثانية وقبلها. رغم أننا نحمل في مشاعرنا وتفكيرنا الكراهية الأشد للقنابل النووية. واليابانيون أكثر شعب في العالم ينتقد السلاح النووي ويكرهه ويدعو للتخلص منه. لقد دفعنا الثمن وبقيت لنا مشاعر الحزن والمرارة ولكننا نجحنا إلى حد مقبول في تصحيح أخطائنا في هذا المجال" اهـ.
في نهاية البرنامج أقيمت مسابقة في الخطابة باليابانية والعربية حيث خطب مبتعثونا باليابانية، وخطب اليابانيون بالعربية وكان أداء الطلاب السعوديين مذهلاً وهم يرتجلون الحديث باليابانية بلا ورقة. وكان أداء اليابانيين لطيفا جداً ومُعجباً.
تحدثت يوري ميتسوي عن أسباب دراستها للعربية، وذكرت أن الأعداد الهائلة للناطقين بها والتي تفوق أعداد الناطقين بالفرنسية جذبتها وقالت:أريد أن أكون جسرا بين اليابان والدول العربية بل أريد أن أكون خط إنترنت بين اليابان والعرب لأن المسافة بعيدة لايكفيها جسر!
نوريهيد هاماساكي ياباني درس العربية في المغرب، كانت كلمته غاية في الطرافة والإمتاع والفكاهة، وقد فاز بالمركز الأول. انظر كلمته في الفيديو المرفق.
في اليابان قرابة 400 مبتعث سعودي، كل من لقيته منهم يرفع الرأس، ويشرّف الوطن، أخلاق وذكاء واجتهاد. أسأل الله لهم التوفيق والثبات.
يقوم الملحق الثقافي د.عصام بخاري بدور بارز في دعم الطلاب والتنسيق لهم وفتح الأبواب أمامهم، إنه نموذج مشرف للملحق الثقافي.
الحالة اليابانية معقدة! احتلال ومجازر وقتل في مقابل انفتاح وتقبل للآخر! وتقديس للامبراطور حدّ العبودية في مقابل توق للحرية! وعقلية نمطية أدائية في مقابل تطور تقني هائل! وعلاقات اجتماعية مفككة في مقابل شعب متماسك نوعا ما حول طقوسه وعاداته! ضيق شديد في المساحات مقابل سعةٍ في أحلام المستقبل! لا أدري .. أظن أن التجربة اليابانية بحاجة لكثير من الدراسة والتحليل وليس لمجرد (تصوير) لبعض الأمور الجميلة!
( اليابانيون ومشرق اللغة العربية .. قراءة في عوامل انتشار العربية في دولة اليابان) ورقةالعمل التي ألقيتها بجامعة أوساكا - اليابان. تتضمن هذه الورقة بسطاً وتفصيلاً وتوثيقاً للتغريدات التي أسلفتُها حول واقع العربية في اليابان وأرجو أن تكون مثرية لقارئها
هذا رابطها : http://www.banaemah.com/lect1.asp?ID=19
صورة1: هذا نموذج لتمديدات الكهرباء في منطقة سياحية!!
صورة2: أحاول فهم شبكة المترو :)
صورة3: وهذا شراب عظيم ! حليب بالشاي الأخضر أظنهم يسمونه ماتشا
صورة4:مترو أودايبا
صورة5:نص كلام نوتوهارا حول إشكالية العلاقة مع أمريكا في كتابه: العرب وجهة نظر يابانية
صورة6:د.موسى وحديث عن تاريخ الدعوة في اليابان
صورة7:مع الأخ العزيز المبتعث / باسل الدوسري -صاحب (السالفة) مع بائع الشاورما ^_^- في مترو طوكيو
صورة8:مع الأخ المبتعث سلطان الفرحان شاب مثقف نبيه أكرمني باستضافتي وتعريفي بطوكيوخلال زيارتي التي لم تزد عن30ساعة
فيديو:مقطع من كلمة هاماساكي