مذْ عقلتُ وأنا مؤمنٌ بالعقل..
منزعجٌ من أولئك الذين يعطلونه أو يريدون تعطيله ..
كنتُ أقف موقف المعارض لمن يريدُ مني أن أسلّم بكل شيءٍ دون أن أفكر .. وأتأمل .. وأمارس حقي الطبيعي الفطري الإنساني في السؤال .
ليس بيني وبين العقل مشكلةٌ إذن !
ولكنّ خدعاً ثقافية كثيرةً باتت تُمرر اليوم باسم العقل .. وتؤدي إلى كوارث ..
لكن العقل خديعة إذن .. و لا هو يخدعُ أحداً ..
ولكنّ الخديعة تُمرر باسم العقل .. للأسف !
من هذه الخدع ( العقلية ) افتراضُ أن العقل وحده .. والذكاء وحده .. ينفعُ في تكوين الرؤى والتصورات والمعارف !
وذلك وهمٌ ..
وقد قال أحد المفكرين: "إن الذكاء لا ينفع الذين لايملكون شيئاً سواه"، وقلتُ مرةً في تغريدةٍ : " لاتغتر بجودةِ ذهنك، وحدة ذكائك، فهما بغير معرفة صلبةٍ كالسيف في يدي جبانٍ منهزمٍ، هو والخشبةُ من حيث الأثر سواء". الفراغ المعرفي والمعلوماتي هو البلاء الأكبر الذي يمكن أن ينزل بساحة الدماغ.
وما يحصل هنا أحياناً أن يقوى لدى الشخص هاجس الاعتداد بالعقل، والاستقلال، فيقدمُ على جملة من القضايا دون أن يكون لديه رصيدٌ معرفيٌّ، أو على الأقل دون أن يكون لديه رصيدٌ معرفيٌّ خاص بها.
فتجدُ الشخص مثلاً مغتراً بذكائه فيخوضُ في مسائل هي من صميم المنظومة العلمية الإسلامية التي لها أصولُها ومعارفها دون أن يكون تحصيله فيها كافياً، وربما كان هذا الشخص صاحب اتساعٍ فلسفيٍّ ولكنّ فقره المعرفيّ فيما يتناوله بيِّنٌ، و"المشكلة الأساسية هنا هي عدم استعداد هؤلاء للاعتراف بأنَّ اتساعهم الثقافي في جانب لا يعني بالضرورة أنهم ليسوا جهلة في غيره". وبالتالي فإنهم يتناولون دقائق من مسائل الشريعة وعدتهم في ذلك (ذكاءٌ متصوَّرٌ) أو (رصيد معرفيٌّ فلسفيٌّ) فحسب.
وحتى أبين الأمر أضرب مثلاً :
إن أقوى عقل في الدنيا حدةً وذكاءً ونباهةً لايمكنُهُ قطُّ أن يحلل أسباب الفقر في بلدٍ ما ما لم تكن لديه معلومات (معرفية) كافية عن واقع ذلك البلد وتشابكاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
كذلك فإن أقوى عقول الفلاسفة والأذكياء لا يمكن لها أن تقدم رؤية صائبة في إطار المنظومة المعرفية الإسلامية دون أن يكون لديها الرصيد الكافي من الإلمام بها.
وقس على ذلك سائر المعارف والعلوم والقضايا .
من هذه الخدع اعتبار ( العمل الذهني المجرد ) وحده هو العقلُ الذي يهدي للصواب.
والذي أومن به أن طمأنينة القلبِ الحقيقية هي جزءٌ من العقل الهادي للصواب!
أتذكرون حديث الفطرة؟ (كل مولود يولد على الفطرة) ؟ الفطرة الهادية إذا تأملتها ليست عملاً دماغياً محضاً، ولا عملاً قلبياً محضاً، بل هي مزيجٌ من هذا وذاك، وقد جعلها الله عز وجل مسلكاً معتبراً إليه، وقائداً مرشدا إلى الإيمان به.
ولذلك فإنَّ الذين يصوِّرون طُمأنينة القلب بالإيمان واليقين والتوحيد على أنّها سذاجةٌ مطلقاً، وزيفٌ محض، وتقليدٌ تامٌّ، وبُعد عن العقل، لم يصيبوا. فللقلبِ دائماً مساحةٌ تغطِّي منطقة عجزِ الذهنِ وتوقُّفه.
تذكروا هذا : للقلبِ دائماً مساحة تغطّي منطقة عجز الذهن وتوقّفه.
وقد ذكر الغزاليُّ رحمه الله تجربة ذاتيةً تدلك بوضوح على صحةِ ما أسلفتُ وواقعيته.
فقد أخبر في كتابه [المنقذ من الضلال] أن نفسه تحركت إلى تحصيل العلم اليقينيّ الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقاربه إمكان الغلط والوهم. وقرر في نفسه أن ( الحواسّ ) وحدها هي سبيل العلم اليقيني.
ولكنه فكر يوماً فقال: إن عيني ترى الظلّ فتحكم بأنّه ساكنٌ لايتحرك، ثم تعود إليه بعد ساعات فإذا هو في غير مكانه !إذن العين لم توصِّل لي معلومة صحيحة قطعية !إذن الحواسّ لا يمكن أن يوثق بها في تحصيل المعرفة!
وانتقل إلى مرحلة تالية هي أنَّ المبادئ العقلية الأساسية هي التي تفيد العلم القطعيّ اليقينيّ. ولكنه فكر فقال: كنتُ أظن الحواس مصدر العلم، فبين لي حاكمُ العقل أنها ليست كذلك، والآن أظنُّ أنَّ العقل مصدر العلم اليقيني، فكيف آمن أن يظهر لي حاكمٌ آخر يكشف لي عن أن العقل ليس مصدر علم يقينيّ !! أليس العقل يرى في المنام أشياء كثيرة يظنها حقا فإذا أفاق علم أنها وهم ؟!
وحينها تخبط الغزالي وتحيّر ! وبقي شهرين لا يهتدي إلى شيء حتى شفاه الله من هذه الحيرة، يقول : "ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة".
تأمّل كيف جعل هذا الفيلسوف الكبير والعقل الضخم .. كيف جعل نور الله في القلب .. طمأنينة القلب .. مفتاحاً من مفاتيح المعرفة.
تلك تجربةٌ موغلةٌ في التاريخ .. ودوننا تجربة معاصرة نجدها في عبارة د.مصطفى محمود : "ولو أني أصغيت إلى صوت الفطرة وتركت البداهة تقودني لأعفيت نفسي من عناء الجدل، ولقادتني الفطرة إلى الله، ولكن جئت في زمن تعقد فيه كل شيء، وضعف صوت الفطرة حتى صار همساً، وارتفع صوت العقل حتى صار لجاجةً وغروراً واعتداداً". [ رحلتي من الشك إلى الإيمان: 9]
ومن خدع العقل أيضاً اعتبارِ عقلٍ بعينِهِ معياراً للعقل!
من أطرف ما وقفتُ عليه من آراء الباحثين ماقاله المحامي عبدالعزيز القاسم لما سئل عن التيار العقلانيّ وكونه امتداداً للمعتزلة، فقال: "لم تكن المدرسة الاعتزالية عقلانية بل كانت يونانية النزعة تجرأت على تأويل الشريعة وأحجمت عن نقد العقل اليوناني" [ الحداثة والنص 28]
الفكرةُ هنا أن (النموذج العقليّ اليوناني) بمناهجه وإجراءاته مثل لديهم العقل النموذجي فتناولوا به نقد كل شيء، ولم يتناولوه هو بالنقد.
مثل ذلك يحصل هنا .. فتجد البعض يعتبر رؤيته وفلسفته ونظرته العقلية هي العقل المحض الذي من خالفه فقد خالف العقل!!
ومن خدع العقل أيضاً : تصور أن العقل هو ملكةٌ مجرَّدةٌ
والصحيحُ أن العقل عقلانِ : بسيطٌ ومركبٌ، فالبسيطُ هو الذي نُدركُ به الكليات البدهية، والمركبُ هو الناشئُ عن معارف الإنسان وتجاربِهِ.
ولذلك قال الأصفهانيُّ : "يقال للقوّة المتهيّئة لقبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوّة عَقْلٌ" [ المفردات : ع ق ل ]
أو كما نقل الجابري عن (لالاند) في تمييزه المشهور بين العقل المكوِّن أو الفاعل، والعقل المكوَّن أو السائد. فالأول يقصد به الملكة التي يستطيع بها كل إنسان أن يستخرج من إدراك العلاقات بين الأشياء مبادئ كلية وضرورية، وهي واحدة عند جميع الناس، أما الثاني فهو مجموع المبادئ والقواعد التي نعتمدها في استدلالاتنا، وهذه قد تختلف من فرد لآخر. [تكوين العقل العربي: 15]
العقل الذي نحتكمُ إليه إذن هو مزيجٌ من الملكة الربانية ورصيد الخبرات والتجارب، وبالتالي فهو ليس شيئاً حيادياً بالمطلق.
ومن خدع العقل أيضاً : الغفلة عن محدودية العقل!
فعلى الرغمِ من عظمة هذا العقلِ، وجلالتِهِ ومكانتِهِ، إلا أنَّ له حدوداً .. لا أقصد الحدود الشرعية أو القيود الدينية، بل أقصد أن له ( قدرات ) لا يستطيع أن يتجاوزها .
فأيُّ عقلٍ في الدنيا لا يستغني عن عقول الآخرين لتسديده وتصويبه، وهذا دليل نقصٍ.
وكل عقلٍ في الدنيا إنما يعملُ على ما يردُ إليه من مدركاتٍ، وهذه المدركاتُ تأتي من الحواسّ، أو المشاعر، أو الأخبار، والحواسُّ غير دقيقةٍ في توصيل المعلومة للإنسان.
ولنضرب لك مثالاً : لو طُلب منك أن تتخيل شيئا غريباً لا وجود له في العالم، شيء تطلق لخيالك فيه العنان، ستجد في النهاية أن هذا الشيء ( الخياليّ ) مؤلفٌ من أجزاء تعرفُها في الواقع وأدركتها من قبل بحواسك!!
ولتدرك حجم افتقار العقل لما يرد إليه حتى يصحَّ إدراكه تخيّل شخصاً وُلدَ أعمى، وجعل الناس يصفون له الألوان سنين ذوات عددٍ، ثم شاء الله أن يبصر فرأى الأحمر والأصفر والأخضر .. كيف سيكون إدراكه للواقع وقد جدتْ ليه (معرفةٌ) جديدة؟
هل أدركنا الآن ( خديعة العقل ) ؟
يوشك البعض أن يوغل في خديعة العقل حتى يستوي له عقل الخديعة ! ثم يغدو بعقله هذا حكماً على الناس مسفّها ما لا يروق له .. راميا باللا عقلانية كل مخالف!!
والسلام