.....

السبت، 18 مايو 2013

( مقهى السماء ) .. قصة قصيرة بقلم ابنتي لجين

(مقهى السماء  )
قصة قصيرة
بقلم ابنتي : لجين عادل باناعمة


دائما ما أدرس خطواتي وأنتقيها بحرص شديد ربما هذا درس قد تعلمته من الحياة..أجل لقد علمتني الكثير من الدروس ..

طوال فترة حياتي وأنا ألعن هذا العالم الذي أكسبني الكثير من الألم..لم يعد هناك شخص أثق به ..كنت موقناً تماماً أن بقائي وحيداً سينفِّسُ عني ولو قليلا من الألم..

سُحْقاً لأناس آمنتُ بهم فرمَوْني بعيداً ..

سحقا لأناس  خطفوا مصالحهم مني ثم فروا هاربين..

كنت أكره كوني ثرياً،لم يجلب ذلك لي سوى المعاناة ..

كنت أسير في أحد ممرات المدرسة ..بظهري القائم وعينيَّ الحادتين..اعتدت على لقب (المغرور)الذي كنت أوصف به من قبل الكل في المدرسة..لم أهتم أبداً بما يقوله مجموعة من القذرين الذين يملؤون أرجاء المدرسة.

وصلت إلى بوابة الخروج .. كنت أشعر بالدوار منذ الصباح .. أردت أن أسرع للمنزل بعد نهاية الدوام لآخذَ قسطاً من الراحة..ولكنّني بدأت أشعر برأسي ينبض ..لوهلة شعرت بأن الأرض تدور! أمسكتُ بطرف الباب لم أستطع حمل جسدي بقدمي! لم أعد أستطيع سوى رؤية الظلام!!

.........

 

استيقظتُ على إثر صوت ماء يُسكب في كأس بجواري، فتَّحت عينيَّ تذكرتُ ما حصل لي أمام بوابة المدرسة يبدو بأنه قد أغمي علي! شهقت وقفزت من فوق السرير بقوة..لم أكن في منزلي..أين أنا ؟..ومن هذا الشخص الذي يقف بجواري؟ كان يعطيني ظهره آن ذاك..لم أستطع رؤية وجهه كنت فوق سرير خشبي صغير..داخل غرفة صُبغت باللون الأزرق الخافت.

بدأ قلبي ينبض بشدة هل اختُطِفْتُ كرهينة ليدفع والدي الفدية مجددا؟ ولكني لست مقيداً!! إذا أين أنا؟!!

توقف قلبي للحظة عندما التفت إلي ذلك الشخص بدأت بدراسة ملامحه..بطريقة ما لم يبد شخصاً سيئاً.. ولكنْ كلهم هكذا..لم يبد على محياهم الشرُّ أبداً..ولكنهم أذاقوني الكثير!

استنتجتُ من مظهره أنَّه شاب في العشرينات .. أبيضُ اللون، شعرُه أسود منسدلٌ يغطي رقبته، كانت عيناه السوداوان لها سحرها الخاص، لم أستطع تحديد ما إذا كان طويلاً أم لا؛ لأني كنت جالساً على السرير، حدثته بنبرة حادة:من أنت وماذا تريد مني؟ ضحك ضحكة صغيرة وقال لي مبتسماً: ماهذا الوجه؟ أنت تخيفني!

شعرت بالغيظ من رده وكرَّرْتُ سؤالي بنبرة أشد، فأجاب وابتسامته لاتفارق شفتيه:لا تقلقْ أنا مجرد شخص قدمتُ لمساعدتك، أبعدت الغطاء عني وهممت بالنهوض كي أذهب، ولكن بمجرد أن وقفت سقطت مجدداً يبدو، أنني كنت لا أزال متعبا قال لي: لا تجهد نفسك سامي، لا بأس يمكنك أن تسترخي حتى تتعافى.

قلت له وأنا أحاول النهوض مجددا:كيف عرفت اسمي؟ لم يجبني!

تمكنت من الوقوف أخيراً اقتربت من الباب لأخرج، ولكني فوجئت عندما فتحت الباب بضجيج كثيرٍ من الناس، وطاولات وكراسي، ورأيتُ بعض الناس بثياب رسمية يقدمون الطعام للجالسين، أغلقت الباب ونظرت إليه قائلاً: ماهذا؟ فأجابني:أنت يا عزيزي في غرفة داخل مقهى! 

أدرت وجهي عنه وتنهدت تنهيدة ارتياح لا أعرف لماذا ولكني شعرت بأن لا وجود للخطر في مقهى يعمه الناس، بدأت أرتب ملابسي كي أستطيع الخروج ولكني سمعت صوته يقول لي: بما أننا في المقهى فما رأيك بأن تشرب شيئا ساخنا قبل الذهاب؟ لا تقلق سأدفع عنك. قلت له بصوت هادئ:لا أحتاج أن تدفع عني فلديَّ من المال ما يكفي لشراء القائمة كلها. ضحك الشاب وقال لي :إذاً اتبعني فلدي مكان خاص لك!

شعرت بأنه فرض رأيه علي ولم يترك لي مجالا للرفض فتحنا الباب وخرجنا سويا وبينما نحن نسير بين الطاولات كان الناس يلقون التحية على هذا الشاب سمعتهم ينادونه ب(المدير)، شعرت أنه من الرائع أن يكون مديرا وهو بهذه السنّ، ولكني لمحت أمرا غريبا في الزبائن! لا أدري إن كان حقيقياً أو كنتُ أتخيل!! فقد كانوا متكئين على الكراسي مما منعني من الرؤية بوضوح. شعرتُ وكأن هناك شيئا أبيض كالجناح على ظهورهم!! سخرت من نفسي وتابعت السير. استغربت لأننا لم نجلس في أحد تلك الكراسي وإنما دخلنا عبر باب خشبيٍّ كان بجوار المطبخ.

كان هناك درج طويل لم أستطع رؤية نهايته نظر إليَّ ذلك الشاب وقال لي:سآخذك إلى مكان لم تر مثله من قبل، سأجعل قلبك ينبض من جديد، لم ألق بالا لعباراته التي شعرت أنها مصطنعة، بدأت بصعود الدرج خلفه، صعدنا لوقت طويل.. بدأت أشعر بالقلق، لماذا يريد مني الصعود وحدي؟! ندمت كثيراً لأني قبلت الدعوة، كان ينبغي أن أكون أكثر حرصاً.. بدأت أحيك خيوطا من الشكوك في نفسي، انقطعت كلها عندما ذُهلت بما رأيت أمامي في آخر الدرج! كان بابا كبيرا جداً بلون أزرق، رسم أعلاه جناحان كبيران، تذكرت فورا زبائن المقهى! لم أستيقظ من دهشتي إلا عندما رأيت يد الشاب على مقبض الباب الذي كان هو أيضا على شكل أجنحة! فتح البابَ فأصدرَ صريراً عاليا ومزعجاً، وظهر من خلفه نور ساطع أجبرني على إغماض عينيّ.. سمعت صوته الذي بدا كموسيقى كلاسيكية يقول لي: افتح عينيك سامي..افتح لترى الجمال..فَلْتَرَ الجمال بكل تفاصيله ..لتغسل قلبك الملطخ بالسواد فتَّحت عينيَّ ببطءٍ  شهقتُ بشدة من الصدمة ..

ماهذا أيعقل؟!

ولكن..مستحيل!!

ولكن فعلا..إنها السماء فعلا..هذه غيوم متناثرة! وهناك قوس الألوان!

بقيتُ مذهولا لدقائق وكنت سأبقى أكثر لو لم يدفعني الشابُّ من ظهري لأسقطَ صارخاً بأعلى صوتي! ثم شعرت بأني وقعت على شيء ناعم كالقطن نظرت تحتي..إنها غيمة..بدأت أتحسسها بيدي التفتُّ حولي فرأيت الشاب وشعره يتطاير مع نسمات الريح يقف على الغيمة المجاورة بجانب طاولة زرقاء مزخرفة بجانبها كرسيان بنفس التصميم! وعلى الطاولة كوبان من الشاي وقطعتا كعكة فراولة!!!

خاطبني مجددا بصوته الرنان: تعال يا سامي واحتس كوب الشاي وتأمل الغيوم وهي تسمح لأشعة الشمس بالتسلل من بينها ..أنر ظلمة روحك .. وأطلقها للعنان ..استنشق الهواء ..وكن نقياً..لتظهرَ الأجنحة على ظهرك ..

شعرت بأشعة الشمس تتسلل من نافذة غرفتي حاولتُ فتح عينيّ ببطْءٍ..حدَّقْتُ في سقف الغرفة شارداً لأسترجع أحداثَ ذلك الحلم ....وتخيلت شكلي بالأجنحة ..ثم ابتسمت وخاطبت نفسي قائلا:أعتقد بأنه يوجد مثل أولئك الناس المجنَّحِين في المقهى.. بل في الدنيا كلِّها ..

سأصنع لنفسي أجنحةً أيضاً..وأبحث عنهم.

 

 

 

 

هناك 4 تعليقات:

  1. جميل وصف اللجين .. أحببته
    والأجمل أنها قصة ذات هدف، ليتها تكمل حتى تؤلف مجموعة من القصيصات القصيرة باسمها.. سيكون إنجازًا مميزا.. وسأشتريه بالتأكيد.. كل التوفيق يالجين

    -قارئة

    ردحذف
  2. حينما تعانق ارواحنا السماء فهي تلقي بكل اعباء البشرية على ارض الخداع، جميلتي استمري قارئة لا تشبع وكاتبة تبدع
    Maha Sami

    ردحذف
  3. ناطق الجمال مسكون بالجمال ..
    ابدعت ياصغيره ��

    ردحذف